عربي

علاء الأسواني:رواية شيكاجو

علاء الأسواني

رواية شيكاجو

pdf

(شيكاجو) الإيغال الحقيقي في فن الرواية

سمفونية التعدد والشتات والاغتراب

فيصل الجهني *

تمثل رواية شيكاجو لعلاء الأسواني الصادرة حديثا عن دار الشروق المصرية معيارا لقياس مدى الجودة لطفرة هائلة نشهدها في سردنا المحلي الذي لطالما نظر إلى الرواية على أنها كشفٌ فضائحي. فقط للأحوال الطبيعية للشبق الإنساني داخل المجتمع! لتتحول المنهجية بذلك الفكر المتأزم إلى وسيلة فقط للتنفيس الوجداني بدلاً من أن يكون للعمل الروائي قيمة في ذاته وعلاقاته وأبنيته، وحتى فيما يكشفه ويدلُ علية.

رواية (شيكاجو) تقترب كثيراً من الأجواء الحقيقية للسرد الفني بما توافر لها من:

اشتغال جاد على أرشيف معلوماتي هائل لموضوعات شتى؛ (الثقافة الأمريكية، الجنس، المخدرات، الطبيعة الشعورية الأنثوية، البحث العلمي الطبي، التناص مع أقوال روائيين آخرين وزعماء...).

اشتغال جاد - كذلك - على التقنية الفنية الروائية بتعقيداتها وتشكلاتها المتنوعة. أحاول أن أُبين ذلك بتركيز (تتطلبه المساحة الصحفية)، وبوضوح (يهم القارئ العادي كذلك):

الزمن:

إذا كانت قيمة الرواية تكمن زمنياً في الزمن الفني/ زمن المبنى الحكائي الذي تحدث عنه الشكلانيون كثيراً، وهم يشيرون إلى أزمان شتى تتقاطع متداخلة مع زمن الأحداث المتسلسلة/ زمن المتن الحكائي، فإن زمن الحدث الواقعي في شيكاجو ينحصر في عام واحد تقريبا (يبدأ من استعداد الطالبة المعيدة في كلية طب القاهرة:شيماء محمدي للسفر إلى أمريكا للحصول على الدكتوراه، إلى أن تقرر في نهاية الرواية أن تجهض جنينها الذي حملت به سفاحا من زميلها طارق حسيب).

بينما نجد أن الزمن في الرواية لا يتوقف على تلك الفترة المحدودة، بل أنه ينفتح على أزمان غاية في الاتساع، ربما تتعدى الثلاثين عاما للمشهد الآني للحدث الروائي(علاقة الحب القديمة التي جمعت بين د/ محمد صلاح وزينب في مصر، وقصة الدكتور. كرم دوس وهو يُرفض من قبل جامعته المصرية لدراسة الطب الجراحي بحجة عدم مقدرته العلمية، وذلك بسبب نظرة طائفية لكونه قبطياً.

كما أن الكاتب يعود بنا منذ بداية العمل إلى زمن سابق (جداً) يقدر بمئات السنين، وهو يكتب قصة تاريخية لشيكاجو المدينة الأولى التي سكنها الهنود الحمر.

أزمنة كثيرة تتداخل منسجمة مع ثراء بقية المكونات السردية.

الصيغة:

الرواية تتشكل من خلال عدة صيغ سردية تنسجم مع ذلك الفضاء الممتلئ لمشهد كوني إنساني حضاري عبرت جزئيات العمل، فهي تجري أساساً على لسان سارد عليم بكل شيء، وهو الأسلوب البانورامي - بحسب - جيمس ولوبوك - والذي يعلو فيه صوت السارد على الشخصيات مسجلا كل ما يدور داخلها من توترات ومشاعر أو ما يدور خارجها، عندما لا يٌقدم ذلك السارد سوى ما يستطيع أن يخبره بحواسه.

يتنازل السارد العليم في وحدات سردية متعددة عن سلطته السردية، لشخصياته لتقدم نفسها من خلال أقوالها وأفعالها على مسرح السرد.

يتوازى مع نسق سرد الراوي العليم سردٌ مشهدي آخر، عندما يُضمّن الكاتب روايته مذكرات كان قد كتبها إحدى شخصيات العمل (ناجي عبدالصمد)، وفي تلك الصيغة السردية يتّحدُ صوت السارد مع إحدى الشخصيات التي تمثل في هذه الحالة زاوية الرؤية.

الشخصيات:

تمثل الشخصيات في رواية (شيكاجو) تيمة العمل وشفرته الرئيسة، ومن الصعوبة عندئذ الحديث عنها - كلها بالتفصيل - لكن - يمكن تسجيل النقاط الآتية حولها:

أخلص الكاتب علاء الأسواني في إعطائنا صورة كاملة طبيعية - من خلال شخصياته - عن المشهد الكلي الكوني/ الحضاري الذي تعبر عنه الرواية (صورة لحياة وثقافة المبتعثين من الطلاب المصريين لإحدى الجامعات الأمريكية وأساتذتهم الأمريكيين من أصل مصري، أو الذين ولدوا في أمريكا أصلاً) وكأن الكاتب يستجيب بحرفنة روائية لِـ إ. م فورستر وهو يؤكد على (أن الرواية لا بد أن تقدم لنا صورة للحياة - في لحظة ما - لأن الحياة بزعمه تعطينا الرواية). الرواية تتسع كذلك - كما اتسعت الآليات السابقة - لتشمل (شيماء محمدي) طالبة محافظة من مدينة طنطا العتيقة، تسافر لدراسة الدكتوراه في جامعة الينوي بشيكاجو فتصدم بحضارة مغايرة، وتنجذب بحسها الأنثوي الطبيعي إلى زميلها (طارق حسيب).

وبالمقابل نجد (مروة) زوجة (رئيس المبتعثين أحمد دنانة)، من أسرة غنية تضطر للسفر مع زوجها إلى شيكاجو، لتعيش هناك بلا عمل أو دراسة أو حتى علاقة سوية بزوجها الممعن في (وصوليته) ونفعيته وتملقه للنظام ولمصالحه العملية.

كذلك نجد مفارقتين أخريين؛ (طارق حسيب): طالب يدرس الدكتوراه في ذات الجامعة متفوق وعلى قدر كبير من الالتزام والانسجام مع ذاته وعالمه القديم والجديد ونظام بلده الحاكم ومجتمعه الأمريكي الجديد و بالمقابل (ناجي عبد الصمد) الذي أتى إلى شيكاجو ليدرس الماجستير بدون رغبة حقيقية في دراسة طبية لكونه في الأصل شاعراً وفناناً، وهو شخصية ثورية، ناقمة على أوضاع بلده، متهم بالشيوعية، يساري، يقع في عشق فتاة يهودية.

ثم على مستوى الأساتذة (د. رأفت ثابت): هاجر إلى أمريكا في الستينات عندما أمّم عبد الناصر مصنع زجاج أبيه، يعيش هناك منذ 30سنة، ناقم على مجتمعه المصري ويصُمه دائما بالتخلف والجمود، يتظاهر باعتناق أفكار مجتمعه الجديد، ولا يتردد في إفضاء الإعجاب بها، رغم أنه ينفضح حقيقة وهو يرفض إحدى شواهد الحضارة الأمريكية هناك في أول مواجهة فعلية له مع مخرجات هذه الحياة الجديدة عندما رفض بشدة قصة عشق ابنته (سارة) مع (جيف) وقرار تركها بيته.

.كذلك شخصية (د.محمد صلاح) زميل رأفت ثابت، لا يحمل عداء كبيراً لعالمه الأول، بل إنه ينهار مع استمرار حياته في أمريكا ليقرر أن تعيش مصر في خياله (يهجر زوجته الأمريكية) ويختار المكوث كل ليلة في قبو منزله مرتدياً بدلته المصرية الأثيرة ومنصتا لأغاني أم كلثوم، وفي اللحظة ذاتها يقرر التواصل - هاتفياً - مع زملائه وأقربائه في مصر، حتى إنه يقرر بعد أكثر من ثلاثين عاماً (هاتفياً) بحبيبته الحقيقية مصر/ زينب، ثم يقرر الانتماء في نهاية الأمر لما يختلجُ داخله من صراعات نفسية هائلة قادته إلى التشتت والانهيار. وللحديث بقية.

* ناقد سعودي

Sitemap

Coming soon...

Advertising

Related Stuff